ṝǿɱἄἣḉḗ
02-23-2011, 09:18 AM
لايعرف على وجه التحديد متى بدأت هجرة اليمنيين الى خارج اقليم الجزيرة العربية، غير ان التاريخ المدون كما يذكر المؤلف يشير الى ان اثاراً تم اكتشافها ووجدت عليها كتابات بالخط المسند تقول ان جالية من العرب الجنوبيين كانت مقيمة في مصر بقيت مخلصة لقوميتها ومحتفظة بأبجديتها تكتب بها وتعتز بثرائها، كما جاء ذلك في كتابة قديمة كتبت حوالى عام 263 قبل الميلاد، وهي كتابة قصيرة لكنها ذات اهمية كبيرة لانها تتحدث عن وجود العرب الجنوبيين بمصر في ذلك العهد السحيق، وعن وجود صلات تجارية ربطت بين مصر وجزيرة العرب من البر ومن البحر، وتتحدث هذه الكتابة عن رجل اسمه «زيد بن زيد إيل. من آل خيران اعترف بوجود التزام عليه بتوريد المر والقليمة لبيوت الآلهة في مصر، والقليمة هي شجرة الذريرة أوما هو معروف الآن بقصب الطيب.
المؤلف: محمد عبد القادر بامطرف - عرض: أحمد الجبلي
دوافع تجارية
لقد اتجه اليمنيون الجنوبيون الى مصر براً، والى الهند وشرق افريقيا بحراً، لتصريف منتجاتهم من النسيج وصناعة الحلي والآنية المزخرفة، ومركبات الروائح العطرية ومستحضرات البخور والصمغ، وليستوردوا من تلك الاقطار الاحجار الكريمة والعاج والتوابل والاخشاب والقطن والمعادن والمواد الغذائية.
وكانت الموانىء الرئيسية لهذا لتبادل التجاري هي: عدن والقنا والشحر وشرمة، فكان اليمنيون الجنوبيون يحملون هذه السلع الحضرمية على سفنهم، وقد اغرتهم بعض الاقاليم الخارجية التي كانوا يترددون عليها بالبقاء فيها فترات، أو بالاستيطان بها بصورة دائمة، وبديهي كما يرى المؤلف ان تبدأ الهجرة ايا كانت اما لدافع تجاري أو فراراً من الأوبئة والمجاعات والفتن العشائرية وجور الحكام والسعي خلف المقر الافضل على اقل تقدير.
وكانت المكاسب الكبيرة التي يجنيها اليمنيون من هجرتهم قد شجعتهم على كثرة التنقل بين وطنهم واقطار حوض المحيط الهندي بضفتيه الغربية والشرقية، ثم لما كسرت تجارة البخور والطيب بسبب المنافسة الهندية أو الصينية، عمل اليمنيون الجنوبيون في نقل السلع الهندية والصينية على اسطولهم التجاري، كما احتكروا صناعة الشحن والتفريغ في موانىء التصدير والتوريد، وامتد نشاطهم الى افريقيا، والى جزيرة هينان الصينية والى اقليم ناتال في جنوب شرق أفريقيا، والى جزيرة تيمور في جنوب شرق آسيا، والى خليجي العقبة والسويس في شمال بحر القلزم أو مايسمى اليوم بالبحر الأحمر، وهكذا اصبحت بلاد جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وشرق جنوب افريقيا المناطق الرئيسية الثلاث لهجرة اليمنيين الجنوبيين، وعلى مر السنين ترسبت منهم جاليات في اقطار نائية من العالم المعروف آنذاك مثل أرخبيل الصولو بالفلبين وفي بنجر ماسين بجزيرة غينيا الجديدة «واق الواق»، وفي جزيرة تيمور بشطريها الاندونيسي والبرتغالي، وفي جزيرتي جاوة وسومطرة وفي شبه جزيرة الملايو، وفي الهند وشرق وجنوب افريقيا ومدغشقر وجزر القمر.
مهاجرون علماء وحكام
ويذكر الكتاب أن من أشهر العلماء الحضارم الذين هاجروا الى الهند الأمام القاضي جمال الدين محمد بن عمربن مبارك بحرق المتوفي في مدينة احمد آباد عام 1523ميلادية والشيخ بن عبدالله العيدروس الذي هاجر الى الهند عام 958هـ وتوفي بمدينة أحمد آباد عام 990 للهجرة وله ضريح يزار ومقام كبير في نفوس الأهالي هناك.
ولم يقتصر نشاط المهاجرين اليمنيين الجنوبيين على التجارة والصناعة، لكنه امتد الى نشر الدعوة الاسلامية حيثما استقروا في جنوب شرقي آسيا وفي شرقي وجنوبي افريقيا، وللمهاجرين الحضارم بالذات، والعلويين منهم خاصة دور لاينكر في دعم الدعوة الاسلامية بتلك الاقطار وغيرها على الرغم من أن بعض الحضارم استغلوا طيبة الأهالي الاندونيسيين لخدمة أغراضهم الشخصية تحت ستار نشر الدعوة الاسلامية حتى بلغوا درجات عالية في المجتمع الاندونيسي والبعض منهم سيطر عن طريق نشر الدعوة الاسلامية على مناطق اندونيسية وحكمها لنفسه ولبنيه من بعده، ومن هؤلاء الحكام من أباده اليابانيون خلال الحرب العالمية الثانية، كما كان حال السلطان محمد القدري العلوي الذي قتله اليابانيون مع ستين شخصاً من عائلته في مقاطعة«وبنتيناك» بجزيرة بورنيو عام 1944م، كما يشير المؤلف.
والمعروف أنه قبل الحرب العالمية الثانية كانت توجد في جنوب شرق آسيا سلطتان رؤساؤها من الحضارمة العلويين الذين هاجروا الى تلك الجهات مثل آل شهاب سلاطين اقليم سباك بجزيرة سومطرة وآل جمل الليل سلاطين اقليم برليس في سيام. وفي شرقي وجنوب افريقيا فقد حكم الحضارم الجزر البيضاء «جزر القمر» وقد سماها الحضارم بالجزر البيضاء حينها لصفاء جوها ورغد العيش بها.
ويذكر الدكتور انور عبدالعليم في كتابه «ابن ماجد الملاح» أن المؤرخ ابن الوردي قال في تاريخه ان الساحل الافريقي الممتد من رأس كورد وفي شمالاً الى اقليم الموزمبيق جنوباً أهله كله مسلمون وبينهم القاضي والامام، وان هذا الساحل ينقسم الى امارات صغيرة مستقلة يحكمها ملوك أو سلاطين عرب من حضرموت والشحر باليمن.
ويستعاد الى الاذهان ان الحضارم هم الذين اطلقوا اسم«مقرالشيوخ» على المدينة الصومالية التي حرف البرتغاليون اسمها فيما بعد الى مقديشو، وكان العمانيون ينازعون الحضارم السلطة على هذه المنطقة، وقد دحروا الحضارم منها في القرن الرابع عشر الميلادي وأسسوا سلطتهم بها.
يشير تقرير نشرته الحكومة البريطانية التي كانت تحتل الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن ان عدد المهاجرين الحضارم في عام 1935م كان يقدر بنحو 103.102 مهاجرين اكثرهم في اندونيسيا والملايو«سنغافورا» وبلغوا 335.74 ثم الهند وشرقي افريقيا والصومال والحبشة والسودان ومصر وهو ماكان يساوي نصف سكان الاقليم الحضرمي حينذاك حسب التقرير.
وكان اولئك المهاجرون يعملون في الصناعة والأراضي العقارية والزراعية والسمسرة والوظائف الكتابية والمهن الفنية والتوكيلات التجارية والخدمات المنزلية والأعمال اليدوية وأعمال البناء والتجارة الصغيرة والمقاهي والشحن والتفريغ والجندية.
ويقدر التجار المحليون تحاويل المهاجرين من النقود حينها الى حضرموت بحوالى ثمانمائة الف جنيه سنوياً منها سبعمائة الف جنيه كانت ترد من اندونيسا والملايو، لذلك كان تأثير المجاعة على وادي حضرموت شديداً حينما انقطعت واردات النقود من جنوب شرقي آسيا حيث كان معظم المهاجرين بها من حضرموت الداخل.
ويذكر المؤلف أنه في عام 1930م كانت في سنغافورة«الملايو» ثلاث عشرة أسرة حضرمية تملك من العقارات ماقيمته مليونان و54 الف جنيه، وفي الهند حيث كان يعمل قرابة 6 آلاف شخص في جيش نظام حيدر آباد، استطاعت بعض الأسر الحضرمية البلوغ الى درجة المليونيرات، ويشير الى أن القعيطي جلب الى حضرموت 1860 مليوناً ونصف مليون روبية هندية، وكان ذلك حصيلة تسوية عام واحد من اقطاعياته الزراعية بحيدر آباد وبهذا المبلغ أقام السلطنة القعيطية بحضرموت عام 1866م.
وقد كان السلطان الكثيري سبق القعيطي الى جلب الأموال من المهجر الى حضرموت، وجلب في عام 1845م أموالاً طائلة من اقطاعياته في حيدر أباد التي كانت تدر علىه إيراداً سنوياً قدره مئتان وخمسون الف روبية هندية، واستطاع بهذه الأموال استعادة السلطنة الكثيرية عام 1848م بعد أن كان قد استولى عليها اليافعيون الحضارمة منذ الاربعينات من القرن الثاني عشر الهجري أي حوالى 1732.
وكان محسن بن عبدالله العولقي-المقيم بحيدر آباد الدكن-حينها يزود الكسادي-أمير المكلا السابق- بمبلغ ستين الف روبية هندية كل عام لمقاومة التوسع القعيطي في الساحل الحضرمي.
أما صغار التجار والعمال الحضارم،فكانوا يشكلون اغلبية المهاجرين فكانوا يكتفون ببضع مئات أو بضعة آلاف في الحالات النادرة من الريالات أو الروبيات يحصلون عليها في المهاجر، اضافة الى ماقد حولوه من نفقات لذويهم في الوطن.
ظواهر بارزة
ومن الظواهر البارزة في الهجرة الحضرمية أن العلويين هم أكثر الفصائل الحضرمية هجرة وانتشاراً في العالم الخارجي، في حين أن المهرة باستثناء هجرتهم إبان الفتوح الاسلامية، هم أقل الحضارم هجرة، وقد ظلوا محتفظين بمهنتهم التي توارثوها منذ آلاف السنين وهي الملاحة والاتجار في الاسماك بين المنطقة المهرية وشرقي افريقيا والهند والخليج العربي،لذلك فإن المهرة هم أقل الفصائل الحضرمية تعرضاً للفساد الذي جرته الهجرة حسب رأي المؤلف الذي يرى أن الكسب السهل يولد الفضلة والتواكل والانحطاط في التفكير والتدبير، ويقول أنه بسبب ذلك افتقرت بعض العائلات الموسرة في المهاجر لأن افرادها كملاك متغيبين عاشوا عيشة رخاء وسعة في حضرموت وكأن دخولهم من المهاجر سوف تبقى ثابتة ومأمونة الى الأبد، فقد كان عميد العائلة الذي كون الثروة ينفق بكل اقتصاد وحذر فمات العميد وخلف من بعده ورثة كان كل واحد منهم ينفق عن سعة مع أنه لم يكن إلاّ وارثاً كسولاً يعيش على فضلات غيره، ثم جاء ابناء الورثة، فكانوا أشد تبديداً للمال، ولم يحاول أي واحد من الورثة ان ينمي التركة أو أن يصونها من الضياع على الأقل، وأنى يكون ذلك منهم، لأنهم خلقوا وفي فم كل واحد منهم ملعقة فضية كما يقال».
ويستشهد المؤلف باسرة حضرمية يقول أنها أثرت في المهجر منذ ستين عاماً وكانت مكونة من خمسة أخوة، كان كل واحد منهم يحصل على آلاف الجنيهات شهرياً من ثروتهم المشتركة في الخارج، بيد أن ابناءهم واحفادهم استناموا الى حصيلة المهاجر الكبيرة فراحوا يعيشون كالانعام ويتزوجون وينسلون كالأرانب الى أن بلغ تعداد أفراد الأسرة المئات في مدى نصف قرن بين ذكور واناث واصبحت الحصيلة المهجرية لكل فرد منهم عدة دريهمات في الشهر واضحى كل واحد منهم يزاحم فأر المسجد في الفقر!
إنغلاق على الذات
>هل نجح الحضارمة في المهاجر؟
>>يقول المؤلف محمد عبدالقادر بامطرف أن الرد على هذا السؤال يتوقف الى حد بعيد على ماقد يتخذه الباحث في الهجرة اليمنية من موقف يستخلصه من موازنة عدة حيثيات وملابسات لأحوال احاطت بالحضارم في مهاجرهم المختلفة، ومن تلك الأحوال ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي.
وفيما يلقي الضوء على ابرز صفات الحضارم وتصرفاتهم في مهاجرهم التقليدية ليسهل للباحث اصدار الحكم في هذه القضية اليمنية التي أثارت اهتمام الكتاب في عدد من اقطار العالم العربي والعالم الخارجي يقول بأن الحضارمة في مهاجرهم ظلوا بعيدين عن المشكلات المحلية وعما لايعنيهم من شؤون السكان الأصليين وباستثناء حالة أو حالتين شاذتين عن القاعدة المألوفة كما يرى، كان بعض المهاجرين مشغولين بجمع المال، وكان هم الأكثرية منهم مجرد الحصول على عيش سهل ورغد واستقرار مما لم يكن متوفر لهم في وطنهم، وفي هذا الانكباب على العمل والتحصيل انغلقوا أو كادوا على أنفسهم داخل عاداتهم وتقاليدهم ومفاهيمهم البالية، ونقلوا الى المهاجر آدابهم الحضرمية ومعارفهم ومذهبهم الديني، ولم يتورعوا حتى عن نقل خصوماتهم الطفولية وعلاقاتهم الاجتماعية، وكانت لهم في اندونيسيا والملايو«سنغافورا» صحف متعددة تعكس مشاعرهم وآراءهم في المهاجر وفي بعض القضايا التي كانت تشغل بال العالم الاسلامي في نهاية القرن الهجري الماضي ومستهل القرن الهجري الحالي، وكانت لهم في ذينك المهجرين جمعياتهم ومدارسهم لتعليم ابنائهم ولهم انديتهم وندواتهم المختلفة.
والواقع أن الحضارم في المهاجر كانواعالماً مستقلاً بنفسه وله جوانب قوته وضعفه، وقد ساعد على انعزالهم هذا كون المهاجر لم يكن ذا ثقافة تستهوي المثقفين منهم خاصة وأنهم كانوا يشعرون أنهم كانوا رواد الثقافة الدينية في الملايو واندونيسيا.
وقد فسر بعض الكتاب هذا الطابع الانعزالي الذي تميز به الوجود الحضرمي في المهاجر انه استعلاء على السكان الأصليين غير أن بامطرف يرى أن تلك نظرة ضحلة وعجلى الى علاقة المهاجرين الحضارم بالأهالي الأصليين، حيث يؤكد بأن الحضارم كانوا دون بقية الجاليات الأخرى في المهاجر مندمجين في الأهالي الأصليين بالزواج وكانت بينهم صلات مودة وولاء وتبادل منافع أدبية ومادية.
ويذكر هنا بأن الزعيم الاندونيسي أحمد سوكارنو كان قد نشأ وترعرع في كنف أحد السادة من آل السقاف الحضارم في جزيرة جاوه،كما نشأ وترعرع الشيخ عبيد كرومي نائب رئيس جمهورية تنزانيا في أحدى البيوت الكسادية الحضرمية بجزيرة زنجبار. والزائر لحضرموت يلاحظ بسرعة الآثار الاثنولوجية التي خلفها التزاوج في السلالات الحضرمية المختلفة التي انتقلت الى الحضارم من اخوتهم في المهاجر، فهم باستثناء بعض بواديهم تجري في عروقهم الدماء الهندية الجنوبية والسيلانية والمنغولية والزنجية الى جانب الدم القوقازي السائد في جزيرة العرب، وكانت التقاليد الحضرمية البالية تقضي بعدم لحاق الزوجات بأزواجهم في المهاجر، فترتب على ذلك أن اضطر الأزواج الى تكوين أسر جديدة لهم بالمهاجر من بين السكان الأصليين.
روابط عاطفية
وبالنظر الى حرص الحضارم الرواد في المهاجر على طابعهم الذاتي،فقد كانوا يفرضون على ابنائهم المولودين هناك تقاليدهم وأعرافهم ومفاهيمهم، فكانوا يرسلون بعضهم الى حضرموت للتعليم وببعض بناتهم للزواج اعتزازاً بالوطن الأم وإيجاد روابط عاطفية بينهم وبين أقاربهم المقيمين في حضرموت، لكن هذا التقليد على ماله من أهمية نفسية مالبث أن زال في منتصف القرن الهجري الحالي،ولم يعد احفاد المهاجرين بالمنغلقين على أنفسهم ولا بالمتقوقعين داخل عاداتهم وتقاليدهم لأنهم لم يجدوا في مؤسسات وطنهم الثقافية مايروي عطشهم الى المعارف الحديثة والى النظرات المتطورة في العالم المحيط بهم، كما أنهم لم يجدوا في أضرحة اجدادهم رغم ماكان يحيطها آباؤهم به من قداسة نصفها حقيقي ونصفها اسطوري، أي مصدر من مصادر الالهام الحضاري الانساني الجديد، أما الفتيات المولودات في المهاجر من المثقفات، فقد وجدن أزواجاً أقرب الى فتيان احلامهن من أزواج وطنهن الأصلي الذين كان اباؤهن يرون فيهم ازواجاً مثاليين لهن.
إن احفاد المهاجرين بهذه المواقف الجديدة لم يريدوا إلاَّ ليؤكدوا شخصياتهم، وليفرضوا آراءهم بعد أن شعروا أنهم قد شبوا عن الطوق وأنهم قد كبروا وتقدموا أكثر مما كبر وتقدم موطن اجدادهم. ولأجل ذلك ايضاً فضلوا أن يكونوا من اوطانهم «المهاجر» وبكل مافيها من خير وشر على أن يكونوا كما كان اجدادهم على الحائط متفرجين ومتطفلين على موائد الغير حسب رأي الشيخ عبدالله باخرمة.
ارشاديون وعلويون
وقداستطاع الحضارم أن يكونوا لأنفسهم في المهاجر سمعة حسنة عناوينها الأمانة والصدق واحترام النظام والقانون لدرجة أن بعض المهاجرين كانوا يعتبرون ان احترامهم للنظام والقانون بأنه جبن، بيد أن فتنة الارشاديين والعلويين التي نشأت في اندونيسيا عام 1914م قد كانت بالنسبة لسلوك الحضارم العام في مهاجرهم خروجاً على المألوف منهم، وقد دارت هذه الفتنة الهوجاء بين الحضارم من الطائفتين حول الكفاءة في النسب في النكاح، لأن العلويين كما يقول المؤلف لايرون المسلم غير العلوي كفؤاً للمرأة العلوية في الزواج وعندهم أن التقوى المشار إليها في الحديث الشريف«لافضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى» ليست سبباً فحسب ولكنها نسب ايضاً، وعلى الرغم من أن حدة النزاع العلوي-الارشادي قد خبت بصورة ملحوظة، إلاَّ أن المؤلف يعتبر أن جذوته ماتزال باقية تنذر بالاشتعال من جديد لأنها قضية لها مساس بالعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، فيما يرى التقدميون من الحضارم أن إذابة الفوارق بين الطبقات اقتصادياً لن تكون ذات مؤدى عملي إذا لم يكن نهايتها التزاوج الميسور بين مختلف ابناء الشعب، ويشير الى أن الحضارم استطاعوا ان يبرزوا في المجتمعات التي هاجروا إليها لأنهم نزلوا اقطاراً كان أهلها بالنسبة للوافدين الحضارمة بدائيين ولا يتمتعون بما كان يتمتع به الحضرمي من حضارة ومسؤولية ودراية بأساليب كسب العيش غير أن المؤلف يرى أن ممايعاب على بعض المهاجرين الحضارم أنهم استغلوا حماية بريطانيا لهم في استغلال الأهالي الأصليين في الحبشة إبان المحاكم القنصلية، كما استغل المجندون من في جيش نظام حيدر آباد مكانتهم العسكرية في تلك البلاد، فانغمسوا في مزاولة الربا، وكانت معاملات الربوية مع المزارعين والفلاحين الهندوسيين في اقليم حيدر آباد بشعة للغاية، الأمر الذي عرضهم للانتقام عندما تحرر هذا الاقليم من طغيان نظام حيدر آباد الاقطاعي الذي كان يعيش المرابين الحضارم على التنكيل بالفلاحين الفقراء.
حينما ينسى الأثرياء
ويخلص المؤلف الى القول في النهاية الى مايراه ظاهرة مؤسفة في الهجرة الحضرمية حين يقول بأن المهاجرين الأثرياء ينسون أن لأهالي المهاجر أفضالاً علىهم مباشرة وغير مباشرة في تكوين تلك الثروات التي تراكمت بأيديهم، وظلوا يعتقدون أنها أتتهم بجدهم وحدهم، وتنزلت عليهم من السماء في تلك المهاجر.
ويشير الى أنه باستثناء أعمال البر والاحسان التي أقامها آل سلامة في جزيرة جاوة أو السادة آل السقاف في ميناء سنغافورا من مرافق خيرية عامة ينتفع بها كل المسلمين الذين يقطنون تلك الجهات، لايوجد في المهاجر التي بلغت فيها الثروات الحضرمية ملايين الجنيهات أية مؤسسة أومرفق ثقافي أو طبي أو اجتماعي انفق عليه اولئك الأثرياء منفردين أو مشتركين، لصالح الأهالي الأصليين بالمهاجر بصرف النظر عن اديانهم أو جنسياتهم ويعتبرها«لطخة عار» في تاريخ الهجرة اليمنية يحمل الحضارم وحدهم عارها، ويستشهد في هذا الصدد بما قاله السيد محمد بن عبدالرحمن بن شهاب عن أولئك الأثرياء الأشقياء:« أنهم يفتخرون بالمنع والبخل كما يفتخر الكرام بالعطاء والبذل » ثم قال عنهم في مناسبة أخرى:« أنهم اضعف أخلاقاً وأقل توفيقاً من أن يحظوا بهذه المكرمة الجليلة»ليعود المؤلف فيقول في نهاية هذا العرض:« فإذا وصف بن شهاب جل اثرياء الحضارم حتى من هم في المهاجر العربية هذه الأيام بأنهم ينظرون الى نشاطهم المالي في تلك المهاجر نظرة التعامل من جانب واحد، وهو جانب الأخذ لا العطاء، لما تعدى الواقع، فإن أمامهم فرصة ليزيلوا ما علق بالاذهان عن انانيتهم ».
المؤلف: محمد عبد القادر بامطرف - عرض: أحمد الجبلي
دوافع تجارية
لقد اتجه اليمنيون الجنوبيون الى مصر براً، والى الهند وشرق افريقيا بحراً، لتصريف منتجاتهم من النسيج وصناعة الحلي والآنية المزخرفة، ومركبات الروائح العطرية ومستحضرات البخور والصمغ، وليستوردوا من تلك الاقطار الاحجار الكريمة والعاج والتوابل والاخشاب والقطن والمعادن والمواد الغذائية.
وكانت الموانىء الرئيسية لهذا لتبادل التجاري هي: عدن والقنا والشحر وشرمة، فكان اليمنيون الجنوبيون يحملون هذه السلع الحضرمية على سفنهم، وقد اغرتهم بعض الاقاليم الخارجية التي كانوا يترددون عليها بالبقاء فيها فترات، أو بالاستيطان بها بصورة دائمة، وبديهي كما يرى المؤلف ان تبدأ الهجرة ايا كانت اما لدافع تجاري أو فراراً من الأوبئة والمجاعات والفتن العشائرية وجور الحكام والسعي خلف المقر الافضل على اقل تقدير.
وكانت المكاسب الكبيرة التي يجنيها اليمنيون من هجرتهم قد شجعتهم على كثرة التنقل بين وطنهم واقطار حوض المحيط الهندي بضفتيه الغربية والشرقية، ثم لما كسرت تجارة البخور والطيب بسبب المنافسة الهندية أو الصينية، عمل اليمنيون الجنوبيون في نقل السلع الهندية والصينية على اسطولهم التجاري، كما احتكروا صناعة الشحن والتفريغ في موانىء التصدير والتوريد، وامتد نشاطهم الى افريقيا، والى جزيرة هينان الصينية والى اقليم ناتال في جنوب شرق أفريقيا، والى جزيرة تيمور في جنوب شرق آسيا، والى خليجي العقبة والسويس في شمال بحر القلزم أو مايسمى اليوم بالبحر الأحمر، وهكذا اصبحت بلاد جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وشرق جنوب افريقيا المناطق الرئيسية الثلاث لهجرة اليمنيين الجنوبيين، وعلى مر السنين ترسبت منهم جاليات في اقطار نائية من العالم المعروف آنذاك مثل أرخبيل الصولو بالفلبين وفي بنجر ماسين بجزيرة غينيا الجديدة «واق الواق»، وفي جزيرة تيمور بشطريها الاندونيسي والبرتغالي، وفي جزيرتي جاوة وسومطرة وفي شبه جزيرة الملايو، وفي الهند وشرق وجنوب افريقيا ومدغشقر وجزر القمر.
مهاجرون علماء وحكام
ويذكر الكتاب أن من أشهر العلماء الحضارم الذين هاجروا الى الهند الأمام القاضي جمال الدين محمد بن عمربن مبارك بحرق المتوفي في مدينة احمد آباد عام 1523ميلادية والشيخ بن عبدالله العيدروس الذي هاجر الى الهند عام 958هـ وتوفي بمدينة أحمد آباد عام 990 للهجرة وله ضريح يزار ومقام كبير في نفوس الأهالي هناك.
ولم يقتصر نشاط المهاجرين اليمنيين الجنوبيين على التجارة والصناعة، لكنه امتد الى نشر الدعوة الاسلامية حيثما استقروا في جنوب شرقي آسيا وفي شرقي وجنوبي افريقيا، وللمهاجرين الحضارم بالذات، والعلويين منهم خاصة دور لاينكر في دعم الدعوة الاسلامية بتلك الاقطار وغيرها على الرغم من أن بعض الحضارم استغلوا طيبة الأهالي الاندونيسيين لخدمة أغراضهم الشخصية تحت ستار نشر الدعوة الاسلامية حتى بلغوا درجات عالية في المجتمع الاندونيسي والبعض منهم سيطر عن طريق نشر الدعوة الاسلامية على مناطق اندونيسية وحكمها لنفسه ولبنيه من بعده، ومن هؤلاء الحكام من أباده اليابانيون خلال الحرب العالمية الثانية، كما كان حال السلطان محمد القدري العلوي الذي قتله اليابانيون مع ستين شخصاً من عائلته في مقاطعة«وبنتيناك» بجزيرة بورنيو عام 1944م، كما يشير المؤلف.
والمعروف أنه قبل الحرب العالمية الثانية كانت توجد في جنوب شرق آسيا سلطتان رؤساؤها من الحضارمة العلويين الذين هاجروا الى تلك الجهات مثل آل شهاب سلاطين اقليم سباك بجزيرة سومطرة وآل جمل الليل سلاطين اقليم برليس في سيام. وفي شرقي وجنوب افريقيا فقد حكم الحضارم الجزر البيضاء «جزر القمر» وقد سماها الحضارم بالجزر البيضاء حينها لصفاء جوها ورغد العيش بها.
ويذكر الدكتور انور عبدالعليم في كتابه «ابن ماجد الملاح» أن المؤرخ ابن الوردي قال في تاريخه ان الساحل الافريقي الممتد من رأس كورد وفي شمالاً الى اقليم الموزمبيق جنوباً أهله كله مسلمون وبينهم القاضي والامام، وان هذا الساحل ينقسم الى امارات صغيرة مستقلة يحكمها ملوك أو سلاطين عرب من حضرموت والشحر باليمن.
ويستعاد الى الاذهان ان الحضارم هم الذين اطلقوا اسم«مقرالشيوخ» على المدينة الصومالية التي حرف البرتغاليون اسمها فيما بعد الى مقديشو، وكان العمانيون ينازعون الحضارم السلطة على هذه المنطقة، وقد دحروا الحضارم منها في القرن الرابع عشر الميلادي وأسسوا سلطتهم بها.
يشير تقرير نشرته الحكومة البريطانية التي كانت تحتل الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن ان عدد المهاجرين الحضارم في عام 1935م كان يقدر بنحو 103.102 مهاجرين اكثرهم في اندونيسيا والملايو«سنغافورا» وبلغوا 335.74 ثم الهند وشرقي افريقيا والصومال والحبشة والسودان ومصر وهو ماكان يساوي نصف سكان الاقليم الحضرمي حينذاك حسب التقرير.
وكان اولئك المهاجرون يعملون في الصناعة والأراضي العقارية والزراعية والسمسرة والوظائف الكتابية والمهن الفنية والتوكيلات التجارية والخدمات المنزلية والأعمال اليدوية وأعمال البناء والتجارة الصغيرة والمقاهي والشحن والتفريغ والجندية.
ويقدر التجار المحليون تحاويل المهاجرين من النقود حينها الى حضرموت بحوالى ثمانمائة الف جنيه سنوياً منها سبعمائة الف جنيه كانت ترد من اندونيسا والملايو، لذلك كان تأثير المجاعة على وادي حضرموت شديداً حينما انقطعت واردات النقود من جنوب شرقي آسيا حيث كان معظم المهاجرين بها من حضرموت الداخل.
ويذكر المؤلف أنه في عام 1930م كانت في سنغافورة«الملايو» ثلاث عشرة أسرة حضرمية تملك من العقارات ماقيمته مليونان و54 الف جنيه، وفي الهند حيث كان يعمل قرابة 6 آلاف شخص في جيش نظام حيدر آباد، استطاعت بعض الأسر الحضرمية البلوغ الى درجة المليونيرات، ويشير الى أن القعيطي جلب الى حضرموت 1860 مليوناً ونصف مليون روبية هندية، وكان ذلك حصيلة تسوية عام واحد من اقطاعياته الزراعية بحيدر آباد وبهذا المبلغ أقام السلطنة القعيطية بحضرموت عام 1866م.
وقد كان السلطان الكثيري سبق القعيطي الى جلب الأموال من المهجر الى حضرموت، وجلب في عام 1845م أموالاً طائلة من اقطاعياته في حيدر أباد التي كانت تدر علىه إيراداً سنوياً قدره مئتان وخمسون الف روبية هندية، واستطاع بهذه الأموال استعادة السلطنة الكثيرية عام 1848م بعد أن كان قد استولى عليها اليافعيون الحضارمة منذ الاربعينات من القرن الثاني عشر الهجري أي حوالى 1732.
وكان محسن بن عبدالله العولقي-المقيم بحيدر آباد الدكن-حينها يزود الكسادي-أمير المكلا السابق- بمبلغ ستين الف روبية هندية كل عام لمقاومة التوسع القعيطي في الساحل الحضرمي.
أما صغار التجار والعمال الحضارم،فكانوا يشكلون اغلبية المهاجرين فكانوا يكتفون ببضع مئات أو بضعة آلاف في الحالات النادرة من الريالات أو الروبيات يحصلون عليها في المهاجر، اضافة الى ماقد حولوه من نفقات لذويهم في الوطن.
ظواهر بارزة
ومن الظواهر البارزة في الهجرة الحضرمية أن العلويين هم أكثر الفصائل الحضرمية هجرة وانتشاراً في العالم الخارجي، في حين أن المهرة باستثناء هجرتهم إبان الفتوح الاسلامية، هم أقل الحضارم هجرة، وقد ظلوا محتفظين بمهنتهم التي توارثوها منذ آلاف السنين وهي الملاحة والاتجار في الاسماك بين المنطقة المهرية وشرقي افريقيا والهند والخليج العربي،لذلك فإن المهرة هم أقل الفصائل الحضرمية تعرضاً للفساد الذي جرته الهجرة حسب رأي المؤلف الذي يرى أن الكسب السهل يولد الفضلة والتواكل والانحطاط في التفكير والتدبير، ويقول أنه بسبب ذلك افتقرت بعض العائلات الموسرة في المهاجر لأن افرادها كملاك متغيبين عاشوا عيشة رخاء وسعة في حضرموت وكأن دخولهم من المهاجر سوف تبقى ثابتة ومأمونة الى الأبد، فقد كان عميد العائلة الذي كون الثروة ينفق بكل اقتصاد وحذر فمات العميد وخلف من بعده ورثة كان كل واحد منهم ينفق عن سعة مع أنه لم يكن إلاّ وارثاً كسولاً يعيش على فضلات غيره، ثم جاء ابناء الورثة، فكانوا أشد تبديداً للمال، ولم يحاول أي واحد من الورثة ان ينمي التركة أو أن يصونها من الضياع على الأقل، وأنى يكون ذلك منهم، لأنهم خلقوا وفي فم كل واحد منهم ملعقة فضية كما يقال».
ويستشهد المؤلف باسرة حضرمية يقول أنها أثرت في المهجر منذ ستين عاماً وكانت مكونة من خمسة أخوة، كان كل واحد منهم يحصل على آلاف الجنيهات شهرياً من ثروتهم المشتركة في الخارج، بيد أن ابناءهم واحفادهم استناموا الى حصيلة المهاجر الكبيرة فراحوا يعيشون كالانعام ويتزوجون وينسلون كالأرانب الى أن بلغ تعداد أفراد الأسرة المئات في مدى نصف قرن بين ذكور واناث واصبحت الحصيلة المهجرية لكل فرد منهم عدة دريهمات في الشهر واضحى كل واحد منهم يزاحم فأر المسجد في الفقر!
إنغلاق على الذات
>هل نجح الحضارمة في المهاجر؟
>>يقول المؤلف محمد عبدالقادر بامطرف أن الرد على هذا السؤال يتوقف الى حد بعيد على ماقد يتخذه الباحث في الهجرة اليمنية من موقف يستخلصه من موازنة عدة حيثيات وملابسات لأحوال احاطت بالحضارم في مهاجرهم المختلفة، ومن تلك الأحوال ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي.
وفيما يلقي الضوء على ابرز صفات الحضارم وتصرفاتهم في مهاجرهم التقليدية ليسهل للباحث اصدار الحكم في هذه القضية اليمنية التي أثارت اهتمام الكتاب في عدد من اقطار العالم العربي والعالم الخارجي يقول بأن الحضارمة في مهاجرهم ظلوا بعيدين عن المشكلات المحلية وعما لايعنيهم من شؤون السكان الأصليين وباستثناء حالة أو حالتين شاذتين عن القاعدة المألوفة كما يرى، كان بعض المهاجرين مشغولين بجمع المال، وكان هم الأكثرية منهم مجرد الحصول على عيش سهل ورغد واستقرار مما لم يكن متوفر لهم في وطنهم، وفي هذا الانكباب على العمل والتحصيل انغلقوا أو كادوا على أنفسهم داخل عاداتهم وتقاليدهم ومفاهيمهم البالية، ونقلوا الى المهاجر آدابهم الحضرمية ومعارفهم ومذهبهم الديني، ولم يتورعوا حتى عن نقل خصوماتهم الطفولية وعلاقاتهم الاجتماعية، وكانت لهم في اندونيسيا والملايو«سنغافورا» صحف متعددة تعكس مشاعرهم وآراءهم في المهاجر وفي بعض القضايا التي كانت تشغل بال العالم الاسلامي في نهاية القرن الهجري الماضي ومستهل القرن الهجري الحالي، وكانت لهم في ذينك المهجرين جمعياتهم ومدارسهم لتعليم ابنائهم ولهم انديتهم وندواتهم المختلفة.
والواقع أن الحضارم في المهاجر كانواعالماً مستقلاً بنفسه وله جوانب قوته وضعفه، وقد ساعد على انعزالهم هذا كون المهاجر لم يكن ذا ثقافة تستهوي المثقفين منهم خاصة وأنهم كانوا يشعرون أنهم كانوا رواد الثقافة الدينية في الملايو واندونيسيا.
وقد فسر بعض الكتاب هذا الطابع الانعزالي الذي تميز به الوجود الحضرمي في المهاجر انه استعلاء على السكان الأصليين غير أن بامطرف يرى أن تلك نظرة ضحلة وعجلى الى علاقة المهاجرين الحضارم بالأهالي الأصليين، حيث يؤكد بأن الحضارم كانوا دون بقية الجاليات الأخرى في المهاجر مندمجين في الأهالي الأصليين بالزواج وكانت بينهم صلات مودة وولاء وتبادل منافع أدبية ومادية.
ويذكر هنا بأن الزعيم الاندونيسي أحمد سوكارنو كان قد نشأ وترعرع في كنف أحد السادة من آل السقاف الحضارم في جزيرة جاوه،كما نشأ وترعرع الشيخ عبيد كرومي نائب رئيس جمهورية تنزانيا في أحدى البيوت الكسادية الحضرمية بجزيرة زنجبار. والزائر لحضرموت يلاحظ بسرعة الآثار الاثنولوجية التي خلفها التزاوج في السلالات الحضرمية المختلفة التي انتقلت الى الحضارم من اخوتهم في المهاجر، فهم باستثناء بعض بواديهم تجري في عروقهم الدماء الهندية الجنوبية والسيلانية والمنغولية والزنجية الى جانب الدم القوقازي السائد في جزيرة العرب، وكانت التقاليد الحضرمية البالية تقضي بعدم لحاق الزوجات بأزواجهم في المهاجر، فترتب على ذلك أن اضطر الأزواج الى تكوين أسر جديدة لهم بالمهاجر من بين السكان الأصليين.
روابط عاطفية
وبالنظر الى حرص الحضارم الرواد في المهاجر على طابعهم الذاتي،فقد كانوا يفرضون على ابنائهم المولودين هناك تقاليدهم وأعرافهم ومفاهيمهم، فكانوا يرسلون بعضهم الى حضرموت للتعليم وببعض بناتهم للزواج اعتزازاً بالوطن الأم وإيجاد روابط عاطفية بينهم وبين أقاربهم المقيمين في حضرموت، لكن هذا التقليد على ماله من أهمية نفسية مالبث أن زال في منتصف القرن الهجري الحالي،ولم يعد احفاد المهاجرين بالمنغلقين على أنفسهم ولا بالمتقوقعين داخل عاداتهم وتقاليدهم لأنهم لم يجدوا في مؤسسات وطنهم الثقافية مايروي عطشهم الى المعارف الحديثة والى النظرات المتطورة في العالم المحيط بهم، كما أنهم لم يجدوا في أضرحة اجدادهم رغم ماكان يحيطها آباؤهم به من قداسة نصفها حقيقي ونصفها اسطوري، أي مصدر من مصادر الالهام الحضاري الانساني الجديد، أما الفتيات المولودات في المهاجر من المثقفات، فقد وجدن أزواجاً أقرب الى فتيان احلامهن من أزواج وطنهن الأصلي الذين كان اباؤهن يرون فيهم ازواجاً مثاليين لهن.
إن احفاد المهاجرين بهذه المواقف الجديدة لم يريدوا إلاَّ ليؤكدوا شخصياتهم، وليفرضوا آراءهم بعد أن شعروا أنهم قد شبوا عن الطوق وأنهم قد كبروا وتقدموا أكثر مما كبر وتقدم موطن اجدادهم. ولأجل ذلك ايضاً فضلوا أن يكونوا من اوطانهم «المهاجر» وبكل مافيها من خير وشر على أن يكونوا كما كان اجدادهم على الحائط متفرجين ومتطفلين على موائد الغير حسب رأي الشيخ عبدالله باخرمة.
ارشاديون وعلويون
وقداستطاع الحضارم أن يكونوا لأنفسهم في المهاجر سمعة حسنة عناوينها الأمانة والصدق واحترام النظام والقانون لدرجة أن بعض المهاجرين كانوا يعتبرون ان احترامهم للنظام والقانون بأنه جبن، بيد أن فتنة الارشاديين والعلويين التي نشأت في اندونيسيا عام 1914م قد كانت بالنسبة لسلوك الحضارم العام في مهاجرهم خروجاً على المألوف منهم، وقد دارت هذه الفتنة الهوجاء بين الحضارم من الطائفتين حول الكفاءة في النسب في النكاح، لأن العلويين كما يقول المؤلف لايرون المسلم غير العلوي كفؤاً للمرأة العلوية في الزواج وعندهم أن التقوى المشار إليها في الحديث الشريف«لافضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى» ليست سبباً فحسب ولكنها نسب ايضاً، وعلى الرغم من أن حدة النزاع العلوي-الارشادي قد خبت بصورة ملحوظة، إلاَّ أن المؤلف يعتبر أن جذوته ماتزال باقية تنذر بالاشتعال من جديد لأنها قضية لها مساس بالعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، فيما يرى التقدميون من الحضارم أن إذابة الفوارق بين الطبقات اقتصادياً لن تكون ذات مؤدى عملي إذا لم يكن نهايتها التزاوج الميسور بين مختلف ابناء الشعب، ويشير الى أن الحضارم استطاعوا ان يبرزوا في المجتمعات التي هاجروا إليها لأنهم نزلوا اقطاراً كان أهلها بالنسبة للوافدين الحضارمة بدائيين ولا يتمتعون بما كان يتمتع به الحضرمي من حضارة ومسؤولية ودراية بأساليب كسب العيش غير أن المؤلف يرى أن ممايعاب على بعض المهاجرين الحضارم أنهم استغلوا حماية بريطانيا لهم في استغلال الأهالي الأصليين في الحبشة إبان المحاكم القنصلية، كما استغل المجندون من في جيش نظام حيدر آباد مكانتهم العسكرية في تلك البلاد، فانغمسوا في مزاولة الربا، وكانت معاملات الربوية مع المزارعين والفلاحين الهندوسيين في اقليم حيدر آباد بشعة للغاية، الأمر الذي عرضهم للانتقام عندما تحرر هذا الاقليم من طغيان نظام حيدر آباد الاقطاعي الذي كان يعيش المرابين الحضارم على التنكيل بالفلاحين الفقراء.
حينما ينسى الأثرياء
ويخلص المؤلف الى القول في النهاية الى مايراه ظاهرة مؤسفة في الهجرة الحضرمية حين يقول بأن المهاجرين الأثرياء ينسون أن لأهالي المهاجر أفضالاً علىهم مباشرة وغير مباشرة في تكوين تلك الثروات التي تراكمت بأيديهم، وظلوا يعتقدون أنها أتتهم بجدهم وحدهم، وتنزلت عليهم من السماء في تلك المهاجر.
ويشير الى أنه باستثناء أعمال البر والاحسان التي أقامها آل سلامة في جزيرة جاوة أو السادة آل السقاف في ميناء سنغافورا من مرافق خيرية عامة ينتفع بها كل المسلمين الذين يقطنون تلك الجهات، لايوجد في المهاجر التي بلغت فيها الثروات الحضرمية ملايين الجنيهات أية مؤسسة أومرفق ثقافي أو طبي أو اجتماعي انفق عليه اولئك الأثرياء منفردين أو مشتركين، لصالح الأهالي الأصليين بالمهاجر بصرف النظر عن اديانهم أو جنسياتهم ويعتبرها«لطخة عار» في تاريخ الهجرة اليمنية يحمل الحضارم وحدهم عارها، ويستشهد في هذا الصدد بما قاله السيد محمد بن عبدالرحمن بن شهاب عن أولئك الأثرياء الأشقياء:« أنهم يفتخرون بالمنع والبخل كما يفتخر الكرام بالعطاء والبذل » ثم قال عنهم في مناسبة أخرى:« أنهم اضعف أخلاقاً وأقل توفيقاً من أن يحظوا بهذه المكرمة الجليلة»ليعود المؤلف فيقول في نهاية هذا العرض:« فإذا وصف بن شهاب جل اثرياء الحضارم حتى من هم في المهاجر العربية هذه الأيام بأنهم ينظرون الى نشاطهم المالي في تلك المهاجر نظرة التعامل من جانب واحد، وهو جانب الأخذ لا العطاء، لما تعدى الواقع، فإن أمامهم فرصة ليزيلوا ما علق بالاذهان عن انانيتهم ».